ابن أبي العز الحنفي

403

شرح العقيدة الطحاوية

اللّه بن جحش « 535 » : أن رجلا جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا رسول اللّه : ما لي إن قتلت في سبيل اللّه ؟ قال : « الجنة » ، فلما ولىّ ، قال : « إلا الدّين ، سارني به جبرائيل آنفا » « 536 » . ومن الأرواح من يكون محبوسا على باب الجنة ، كما في الحديث [ الذي ] قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « رأيت صاحبكم محبوسا على باب الجنة » « 537 » ومنهم من يكون محبوسا في قبره ، ومنهم من يكون في الأرض ، ومنها أرواح في تنوّر الزّناة والزواني ، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة ، كل ذلك تشهد له السّنة ، واللّه أعلم . وأما الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره ، في قوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ آل عمران : 169 ، وقوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ البقرة : 154 - [ فهي ] : أن اللّه تعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر . كما في حديث عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما ، أنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « لما أصيب إخوانكم ، يعني يوم أحد ، جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب مظلّة في ظل العرش » « 538 » ، الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود ، وبمعناه في حديث ابن مسعود ، رواه مسلم . فإنهم لما بذلوا أبدانهم للّه عز وجل حتى أتلفها أعداؤه فيه ، أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرا منها ، تكون فيها إلى يوم القيامة ، ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان ، أكمل من تنعّم الأرواح المجردة عنها . ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير ، أو كطير ، ونسمة الشهيد في جوف طير . وتأمل لفظ الحديثين ، ففي الموطأ أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، قال : « إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ، حتى يرجعه

--> ( 535 ) في الأصل : عن محمد بن عبد اللّه بن محسن . ( 536 ) صحيح ، « مسند أحمد » ( 4 / 139 و 350 ) . ( 537 ) صحيح « أحكام الجنائز » ( 15 ) . ( 538 ) صحيح ، واخرجه الحاكم ، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي ، وانظر « المشكاة » ( 3853 ) .